إنتقام الحجاب

  • article

د. علي ضاهر

اللهم لا شماتة. فالشماتة عادة بغيضة، من أبغض ما يمكن أن يصاب به المرء. فمصيبة شخص قريب او بعيد، يجب ان تدخل في باب الإعتبار والإتعاظ، والرحمة، لا في خانة الشماتة والتشفي والتعْيِير. إنما من باب التميّز والتفصيل، سيما أن الشيطان يكمن في التفاصيل، لا يجب التعميم ورجم الشماتة باختلافِ أنواعها وأشكالها، بحجارة الرذيلة. فإذا كانت الشماتة بالمرض والعَجْز والموت ليست خُلقاً مسموحاً إنسانياً، ولا دينياً، ويمكن إدراجها ضمن الكبائر، فإن الشماتة السياسية سمة من سمات السياسيين يمكن تقبلها وتفهمها وإدخالها ضمن خانة العادات المتبعة وغير المرذولة، فتسهم أحياناً في تحسين أدائهم، وتعتبر من الأساليب المحببة عند بعضهم، وتستعمل للتشفي، بالرغم من ان العديد من الناس، ومن منطلقات مختلفة، يتفقون على ان السياسة ما هبطت على دماغ انسان إلا وخلخلته او على الأقل أثرت في مبادئه، تماماً كالملك اذا ما حل بأرض عاث فيها فساداً.

بالرغم من عدم إنتمائي إلى عالم السياسة، فإني أنظر الى قضية الشماتة بالسياسيين والتشفي منهم بعين من الإستحسان المقيدة بشروط. فأنا لا أؤيدها بالمطلق، وأدعو الذين يمارسونها الى الإبتعاد، عند اللجوء إليها، عن تناول شخص السياسي وتجنب المسّ به، و النأي بالنفس عن التشفي بمرضه او عاهاته الجسدية او موت أحد اقاربه، بل أدعو الى التركيز على القرارات السياسية التي يتخذها.

إنطلاقا مما ورد أعلاه، فأنا أريد التسلي بممارسة الشماتة السياسية بحقّ رئيس وزراء كيبيك فرنسوا لوغو. طبعاً ليس بشخصه، معاذ الله، بل بقراراته ومواقفه، خصوصاً التي يتخذها لمكافحة "جرثوم الكورونا"، وبصورة أخص موقفه من ارتداء القناع في الأماكن العامّة. فهو منذ فترة غير بعيدة - بل يمكن القول لغاية كتابة هذه الأسطر - لم يكن قد اتخذ بعد قراراً واضحاً ومحدّداً من ارتداء القناع في الأماكن العامة معلّلا ذلك بأسباب صحيّة او اقتصاديّة او قانونيّة، تبين أن كلّها واهية وغير واقعية. أسبابٌ، حسب فهمي، أوردها للتستر على قرار مجحف كانت حكومته قد اتخذته في الماضي، يقضي بمنع إرتداء الحجاب في بعض أماكن العمل.

لن أتطرق الى الأسباب الصحيّة والإقتصاديّة، التي يمكن دحضها بسهولة، سيما أن لبس القناع إلزامي في العديد من البلدان، كما أن مستشار "لوغو" للأمور الصحية  الدكتور أرودة (Arruda) الذي يقدم له النصح ليس ابن سينا زمانه، ولا هو أفصح وأعلم من غيره من اختصاصيي الصين وألمانيا ونيويوك والنمسا، ولا حتى البرتغال – بلد أرودة الأصلي – حيث القناع إلزامي او مطلوب بشدّة في الأماكن العامّة ويوزع مجاناً. إنما أريد التطرق الى الحجة القانونية التي أفصح عنها لوغو في ردّه على أحد الصحافيين عندما سُئل عن فرض ارتداء الأقنعة، فقال: "لا يجب الحدّ من الحقوق بشكل تعسفي، فهناك قضايا قانونية تمنع الدولة من فرض ارتداء الأقنعة".

هذه والله حجة مضحكة - أو كما يقال بالعامية "حجة ما بتقلي عجة" - تدعو للسخرية تفوّه بها رئيس وزراء حكومة يعرف جيداً، وبالممارسة الفعلية أنه عند الضرورة واذا أراد، يمكنه فرض القناع على كل أهالي كيبيك بغضِّ النظر عن مواثيق الحقوق والحريات، الذي يمكن له ان يضرب بها عرض الحائط بدليلِ أن حكومته الميمونة، منذ فترة غير بعيدة، سنّت قانوناً يسمح لها بحماية نفسها من المحاكم عندما حظّرت، بشكل قمعي وتسلطي، إرتداء الحجاب في بعض أماكن العمل.

من سخرية القدر ان حكومة كيبيك عندما أرادت سنّ قانون منع ارتداء الحجاب في بعض الأماكن لجأت إلى مصطلح "bâillon"، يعني لجأت الى "الحجاب". فمصطلح "bâillon" عبارة عن إجراء تشريعي أعرج يسمح للحكومة بحجب الكلام وكمِّ أفواه النواب لتغيير القواعد التي تحكم تمرير القوانين. يعني ان كيبيك كي تمنع ارتداء الحجاب لجأت الى "الحجاب". فهل هي قادرة على الطلب من المواطنين ارتداء القناع، الذي يقع بين منزلتين: منزلة النقاب ومنزلة الحجاب؟! ولماذا إذاً لا تلجأ الى فرض ارتداء القناع، عدو الكورونا الاول؟ أهي المكابرة التي تؤدي أحياناً إلى الاضرار بصحة المواطنين؟ أم هو الخوف من الشماتة؟

 

من ناحيتي، لن أهتم بإرتكاب بغيضة الشماتة ولن أتجنبها. فأنا أريد التشفي من رئيس وزراء كيبيك لوغو، خصوصاً أنه منع ارتداء النقاب والحجاب في بعض الأماكن! فإذا بالحجاب يعود إليه من الباب العريض، عن طريق ابن عمه القناع، لينتقم منه! فبالله عليكم ألم يكن منظره، في خلال المؤتمر الصحفي وهو لابس القناع، يدعو للشماتة؟!!!