إنسان صنع الحدث

  • article

بقلم: م أمير الصالح

 

طغت أخبار جائحة كورونا وتزايد عدد ضحاياها على جميع الاخبار الاخرى حول العالم. وانتشرت روح القنوط لدى عدد ليس بالبسيط من سكان المعمورة، وأضحى الأغلب من الناس منشغلاً بذاته أو بأخبار محيطه، أو بِقراءة آخر التقارير عن عدد المصابين في مدينته أو دولته، وتدبير أمور معيشته من مأكل ومشرب وملبس. وتواكب ذلك بشكل مفاجئ مع اختفاء تقارير متعددة من نشرات الأخبار، لا سيما أخبار ضحايا الانسانية المعذبة في أتون الحروب، او أخبار الغرقى في البحر الأبيض المتوسط من المهاجرين، او أخبار الابتكارات العلمية الحديثة في عالم التقنية. كما اختفاء أخبار الافراح والمهرجانات والبطولات الاوليمبية والسباقات العالمية ومدن السياحة. في نشرات الأخبار، أخبار، وأخبار فحسب عن سعر صرف الدولار، وتقلب سعر الأونصة من الذهب والفضة، وتمرجُح أسعار النفط، وتسليم الأشهر القادمة، وآخر قراءة لمؤشر معدل البطالة في أمريكا هي ما تبقى من أخبار عهدِ ما قبل كورونا، او هكذا يتهيَّأُ لي وللبعض من متابِعي أخبار الدنيا في أكثر من قناة عالمية.  

التقلبات الموجعة بعد جائحة كورونا غيبت أخبارَ إنسانيةً مهمةً جداً، ولها آثار طويلة الأمد على الأجيال، ومنها أخبار محلية في عددٍ من الدول، وأخبار عالمية من حيث تقطن جاليات عربية او مسلمة. من جملة الأخبار العالمية المتنحية عن الظهورِ ما وردني عبر مواقع ونشرات متعددة عن إقرار القانون الواحد والعشرين بمقاطعة كيبيك الكندية، الذي بموجب إقراره يحظر على النساء المُرتدياتِ زيَّ التعفف الديني، او ملابسَ ترمز لانتماء ديني معينٍ مثل الحجاب، (يحظر) عليهن ارتياد الصفوف في المدارس الرسمية في مقاطعة كوبيك. وهذا أمر عجيب لأنه لا يتماشى وروح دستور بلاد كندا والحلم الكندي الوليد لدى البعض، ولأن معظم المهاجرين من أي مكان، لا سيما المسلمين منهم، قد هاجروا عبر الاطلسي او عبر مناطق أخرى، إما بحثاً عن دار أمانٍ، او طمعاً في استحصال كرامة مالية او تغييرِ نمط الحياة لِما هو افضل، او صوناً لكرامة ذاتية. وفي حالة غياب تلك العوامل الجاذبة لبني البشر للتوجه إلى هنا او هناك، تنتفي قيمةُ التوجه لتلك المدينة او المقاطعة او البلاد.

النساء المسلمات المرافقات أزواجهنَّ، او بمفردهن، لم ترتحل أيٌّ منهن إلى دول الغرب لتتنازلَ بمجرد جَرَّة قلم عن قناعاتها العقائدية او كرامتها النفسية او انتمائها الإيماني. نعم، كل امرأة لها حرية الاختيار، وليس من العدالة بشيءٍ إجبارُهن على خيار واحد يرسمه لهن من ليس لهن بقدوة.

من جهة أخرى لاحظت ان البعض من اهل الخير والتقوى تذمر من عدم مشاركة أبناء الجالية الواحدة في الدفاع عن مطالب أبناء جاليتهم في أي شأن من الشؤون، حتى الحياتية العادية مثل غلاء المعيشة، او المفاضلة في التوظيف على اساس اللون او العرق. وهذه الصدود من البعض تدل على امرين :

- الامر الاول: ذوبان البعض في أنانية ذاته إلى حد خذلان الآخرين في كل الامور المحقة وتنازله عن حق مهم ومميز، هو حق التعبير في مواطن حرية التعبير كما روج البعض لذلك. او يدل على نمو جرثومِ الإهمال في بعض ابناء الجالية الواحدة. وكلاهما، الاهمال او الخذلان، يحتاجان الى تدارك الموقف وتشخيص الاسباب ومعالجتها قبل فوات الاوان. فما حدث للسود الأفارقة في الشمال الامريكي - مع كثير عددهم وفعالية وجودهم وقوة بصمتهم في مجالات متعددة - ينم عن طول المسيرة لتحقيق جزء من أهدافهم وإنماءِ كيانهم وإسماع مطالبهم.

 

- الأمر الثاني: قد تتواجد صدود في التفاعل والمشاركة من قبل بعض أبناء الجالية الاسلامية هنالك في المطالبة بإسقاط القانون الواحد والعشرين بسبب كثرة الاستقطابات، وحب الزعامة والبحث عن النجومية، وتنوع الصراعات الكيدية لدى بعضِ متصدري المشهد الاجتماعي او الروحي او الثقافي لأبناء الجالية الواحدة. وهذا الأمر مدعاة للاجتماع في ما بينهم والتدارس، وتفعيل خاصية التنازل عند البعض والتقليل من "الأنا" المتضخمة من أجل مصلحة أبناء الجالية الواحدة.

 

إن رص الصف وتضافر الجهود لأبناء أي مجتمع في الداخل أو أقلية في المهجر  مطلب رئيس، ليس فحسب من أجل القضاء على تمدد مرض "كورونا" او تجاوز انهيار اقتصادي، وإنما أيضاً للحفاظ على المكاسب الاجتماعية وجلب المزيد من الحقوق والمنافع لأبناء المجتمع المتجانس ذاته. أختصر القول بأن أهمس صادقاً في أُذُن من يود ان يسمع، لا سيما في دول الاغتراب، ان الحقوق والمكاسب التي قد يكلف تحصيلُها الآن شيئاً من الحضور، او التوقيع على مناشدةٍ، او الاصرار في المتابعة الحثيثة لبضعة أيام، قد يكلف مستقبلا أشياءَ باهظة الثمن. ولنا ولكم وللجميع عبرةٌ في ما يحدث ونشاهده من صراعٍ لاسترجاعِ بعض الحقوق لبعض الملونين في الولايات المتحدة. "إنسانٌ صنع الحدث" هو إنسان يعتز الآخرون بأن يقرؤوا ويستلهموا من مسيرته، فكن وكوني من أولئك حتى لو كنتَ أو كنتِ في أقصى الارض، وادفع وادفعي بالتي هي أحسن لتحقيق عناوين الحقوق والكرامة بشكل فردي وجماعي قدر الامكان.