لا تهاون، بل تعاون ومسؤولية إبقَوا في البيوت

  • article

حسين حب الله - مونتريال

فور انتشار المخاوف من انتشار فيروس كورونا القاتل بادرت مؤسسات جاليوية عديدة إلى التعاطي بجدية مع هذا الخطر، الذي ضرب معظم دول العالم وأصاب منها مقتلاً، ولا يزال يحصد الارواح بشكل يومي، والذي ينتقل بشكل مباشر عبر القُطَيْرات الصغيرة المتناثرة من الفم والأنف، أو بشكل غير مباشر عبر الأسطح التي تساقطت عليها القُطَيْرات فلمَستها اليد ثم لَمسَت العينَ أو الأنفَ أو الفمَ، سيما في حال اقتراب الناس من بعضهم، وسواء عبر المصافحة او الملامسة او العطس وغيره وعليه، تجاوبت هذه المؤسسات الجاليوية على الفور مع نداءات المسؤولين المعنيين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الكندي ورؤساء وزراء المقاطعات الكندية، وجمَّدَت نشاطاتها حرصاً منها على صحة وحياة ابنائها وبناتها. كما تراجعت حركة الزيارات والتواصل بين الناس خوفاً من انتقال العدوى من شخص يحمل المرض بِعِلْمه او بغير عِلمه. فيما تباطأت بعض المؤسسات والعائلات في التجاوب لأسباب غير مفهومة وغير مبررة، ما عرَّضَ أرواح العديد لِاحتمال إصابتهم بالعدوى.

في البداية كان الطلب الرسمي أن لا يزيد عدد الحضور عن 250 شخصاً في أي تجمع، فالتزمت معظم المؤسسات الجاليوية بهذا الطلب. ولاحقاً أعلنت مؤسسات دينية كثيرة من مساجد وكنائس إلغاء إقامة الصلوات والقداديس الجماعية فيها بشكل نهائي. كما بادر المشرفون على أنشطة الكشّافة ومدارس اللغة العربية يوم السبت والنوادي الرياضية والاجتماعية إلى تجميد أنشطتها، حتى قبل ان تعلن الحكومة عن توجيهاتها الأخيرة بضرورة الإقفال التام. كما أُلغِيت مناسبات عديدة تنظمها جمعيات ناشطة دينية وغير دينية. فضلاً عن مسارعة المؤسسات التربوية الخاصة كالمدارس الاسلامية اليومية لِلالتزام بتوجيهات الحكومة بالإقفال حتى إشعار آخر.

هذا الاقفال عوّض عنه المشرفون على المساجد والكنائس والمدارس العربية والنوادي الرياضية والاجتماعية بمحاضرات وعظات ودروس وتدريبات ومسابقات تُبَثُّ مباشرة او تُسجَّل عبر فيْسْبُك، لاقت ترحيباً كبيراً من الجمهور الجالس في بيته، وفتحت الباب أمام أسلوب عصري للتواصل مع الجمهور الحالي وجمهور واسع كان غائباً عن الكثير من الأنشطة التي تُقام في هذه المؤسسة او تلك، أو كان يعيش في عزلة عمَّا يُقام في الجالية من انشطةٍ لأسباب ربما نحتاج إلى ان نبحث فيها بشكل معمق في أعداد قادمة.  

هذا التعاطي بمسؤولية عالية لوحظ أيضاً في الكثير من المؤسسات التجارية التي شهدت ازدحاماً غير مسبوق. ولكن اصحابها والعاملين فيها أبدوا حرصا كبيراً على تأمين طلبات الزبائن غير المعتادة، في ظل المخاوف المبالغ فيها التي اجتاحت البلد من احتمال نقص المواد الغذائية. وفي الوقت نفسه اتخذوا كل التدابير المطلوبة لمنع انتشار المرض بين الزبائن، سواء عبر توجيه العمال وتدريبهم حول طرق الوقاية، أو كيفية التعاطي مع الزبائن من خلال تحديد عدد الزبائن داخل المحل، أو الحرص الكبير على أخذ الطلبات عبر الهاتف، أو نشر المعقمات داخل المؤسسات التجارية وإلزام الموظفين والزبائن والتجار على استعمالها حال الدخول والخروج للحد من المخاطر الناجمة عن التماسِّ بين الناس في الاماكن العامة.       

لُوحِظ كذلك امتناع الكثير من العائلات عن تبادل الزيارات، واقتصار التواصل على وسائل التواصل الاجتماعي.

كل ما سبق يعبر عن وعي حقيقي وحرص كبير على حياتنا وصحتنا وكذلك حياة الآخرين من حولنا، فَلَم يُبَلَّغ حتى الساعة عن إصابة أحد أبناء الجالية بهذا الوباء الخطير الذي نأمل أن لا يصيب أحداً أبداً.

وبالرغم من هذه الصورة الايجابية الكبيرة التي سجلتها الجالية بمسلِميها ومسيحيِّيها، والتي تجلت بِالتزامٍ كبيرٍ بتوجيهات مجلس أئمة كيبك وطلبات المرجعيات الدينية العليا في الداخل والخارج، كان بعض الاعلام يحاول تسليط الضوء على عدم قيام مسجدَين بإِعلان الاقفالِ التامِّ عبر صفحتَيهما على فيْسبُك للإساءة لهاتين المؤسستين، وتصوير القائمين عليهما على أنهم غير مُبالين، في وقت أظهرت فيه أتباعَ أديان آخرين أكثر حرصاً من بعض المسلمين.

أحد المشرفين برّر الإبقاء على أبواب المسجد مفتوحة على انها لاستقبال طلبات المحتاجين، في وقت لوحظ ارتداء أحد المتواجدين في الداخل قفازاتٍ كدليل على الاجراءات التي يقوم بها المتواجدون في المسجد للضرورة.

نعم، لا يُعَدُّ سهلا ان تُقفِل دُورُ العبادة والمساجد أبوابها امام المصلين او طالبي الحاجات، ولكن في الواقع وجدنا أن الكعبة اُقفلت مؤقتاً في وجه زائريها. فالحري بأي مؤسسة او أي مسجد ـ اذا كان بالفعل لا يزال مفتوحاً أمام المصلين ـ أن لا يترددَ في إلغاء نشاطاته كلها في الوقت الحالي ريثما تتغير الاحوال إلى أفضلَ مما هي عليه اليوم، وأن يحصرَ التواصل مع طالبي الحاجات عبر الهاتف ويؤمنها لهم عبر الطرق الآمنة.        

كما نناشد جاليتنا ان تأخذ هذا الامر بالجدية المطلوبة أكثر فأكثر لأن الامر لم يعد مزحة، بل بات خطراً لن يوفر المتهاونين به ومن حولهم. والكل مسؤول عن القيام بما يلزم للحد من مخاطره.
نسأل الله ان يلتزم الجميع بما هو ضروري للحد من انتشار هذا الوباء وان نكون سنداً لبعضنا في هذا الظرف العصيب، وأن نعين اصحاب الحاجة منا - كلٌّ من موقعه، وأن يكشف هذه الغُمَّةَ عن هذه الجالية وعن البشرية جمعاء، وأن يأخذ بيد الاطباء والباحثين ليجدوا العلاج الفعال ليتعافى المصابون به بأسرع وقت ممكن، ويعيدنا جميعاً إلى حياة آمنة، وأن يكشف حقيقة هذا الوباء ومصدره الحقيقي.

في الختام، رجاءً إبقَوا في بيوتكم... ولا تخرجوا إلا لضرورة عمل، او شراء الضروري من الحاجيات.. لا مجال للتهاون، بل على الجميع التعاون وتحمل المسؤولية حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.