الثلاثون من آذار: يوم الأرض الفلسطيني

  • article

بقلم فارس بدر 

يأتي الثلاثون من آذار هذا العام وساحات العالم العربي تضج بهتافات الشعوب وشعاراتها ويافطاتها. شعارات وطنية أدركت الترابط العميق بين مساوىء الأنظمة وانفصالها عن شعوبها، وبين تبعيتها للخارج وتخليها عن قضاياها الوطنية. ففي تجربة حركة التحرر الوطني العربية، طغت المواجهة مع الخارج على تلك المواجهة مع الداخل، مع التخلف والثقافة التقليدية، ومع تشوهات التطور الاقتصادي والاجتماعي.

ما نشهده اليوم هو حركة وطنية تنطلق من مهمات الداخل، من بناء نظام جديد ودولة حديثة لمواجهة تحديات الخارج، إضافة إلى دور جديد لهذه الدول ولموقع مختلف لها في العالم.

 

لقد كسر ميدان التحرير وميادين أخرى، العقدةَ الأساسيةَ المتمثلةَ بالاستبداد والفساد والتبعية، وهو الآن يتحضر لممارسة سياسية ديمقراطية، الأصل فيها إعادة السيادة للشعب كمصدر للسلطة. هذا هو المفتاح لكل ما سيجري لاحقاً من إجراءات وإصلاحات وخيارات على المستويَين الداخلي والخارجي. وما يمكن قوله اليوم إن العرب، عبر حراك شعوبهم، يكتبون تاريخاً جديداً ويجتهدون لاختيار أنماط حياتهم وعيشهم وقياداتهم.

 

يأتي الثلاثون من آذار ليحوِّل كل مواعيد وتواريخ ميادين التحرير إلى يوم أرض جديد، فما قيمة الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية إذا كانت لا تملك أرضاً تقف عليها؟! وما قيمة الحياة برمتها إذا كانت الأرض تحت الاحتلال مقيدة بسلاسل الاستيطان وصاغرة أمام جبروت الطغاة؟!..

 

وعندما نتكلم عن الأرض نتكلم عن فلسطين لأنها محجةُ فكرنا وعقولنا ومحطُّ نضالنا وتضحياتنا. هي ذلك الجزء الجنوبي من جسدنا العربي، تئِنُّ سهولها وبطاحها وروابيها من ألم الاغتصاب والاستيطان، ويعيش فيها شعب صابر صامد، لحظات ترقب؛ يتطلع إلى ذلك الغليان الهادر في ميادين التحرير علَّه يحمل إليه بعضاً من أمل انتظره طويلاً..   

 

إنه يوم الأرض. محطة إضافية تؤرّخ لأشلاء الجسد الفلسطيني. الأرض، منبتٌ للزرع والخيرات وموئل للبشر، وخزّان لذاكرة الفلسطيني - إلى أي طبقة انتمى. إنها الأرض، أرض الآباء والأجداد، تعاقبَ عليها الفاتحون من زوايا الأرض الأربع، واختارتها الرسالات السماوية منصّة انطلاق إلى العالم أجمع، واختارها الصهاينة ملجأً لهم من محاكم التفتيش وعنصرية الغرب وسطوة الكنيسة.

 

وبالرغم من جحافل الغزاة وأقدام المصلين والمبشّرين الناشرين دعوتَهم في حلهم والترحال، وبالرغم من سيوف الرومان وسنان الرماح الصليبية، وصولاً إلى مجنزرات المشروع الصهيوني الرابض على صدر الوطن ما يقارب عقوداً ستة، بقيت الأرض الفلسطينية تعبق بالطهر، تفوح من ضلوعها رائحة الحجر الفلسطيني والدم الفلسطيني.

 

يوم الأرض محطة جديدة تؤرّخ للتضحيات الفلسطينية وتحفر عميقاً في ذاكرتنا الجماعية منذ عام النكبة، أي 1948. إنها تأريخ لجريمة العصر بامتياز، فقد استُبيحت الأعناق والأرزاق، وانتُهِكت الحرمات، وارتُكبت أبشع أنواع المجازر والقتل والتشريد والتهجير. إنها تأريخ لحكايات موجعة ترويها عيون النساء والأطفال في القبّة ودير ياسين وبيسان، وسواها من القرى الفلسطينية، حيث تحكي الأرض وحدها روايات الألم والانكسار والحزن والفواجع، وتختبئ بين حناياها وضلوعها قصص الغدر والتآمر والصمت والتواطؤ، التي لا تحمل سوى التقيؤ والغثيان.

 

لكنها الأرض.. حيث تشكل عروق الكرمة امتداداً لشرايين الكرامة.. وحيث تشكل الحجارة امتداداً لأيادي الأطفال المتشبّثة بالمقلاع الفلسطيني.. هذا المقلاع المنتفضُ على جريمة العصر، المدوّي احتجاجاً على جفاف الشرايين العربية من وقفات العز، والصارخُ أبداً في وجه العتاة الظالمين في مسعًى لإقامة الحق والعدل.

 

لكنها الأرض.. تغيّرنا ولم تتغيّر.. تلوّننا كي نبتعد، هاجرنا ولم تهاجر، وها هي تتلحّف بشجر الزيتون لكي تترسخ قِدماً، وتتعطّر بالياسمين فينزرع فيها الإنسان نشوة واغتباطاً، وتزداد صبراً على الضيم بانتظار شمس الغد شارقةً على طفل جديد ومقلاع جديد وحجر جديد..

 

إنها الأرض.. أليست هي تلك التي رواها "غسان كنفاني" دماً من قلمه، و"ناجي العلي" نزفاً من ريشته، و"محمود درويش" شعراً من لحمه الحيِّ، و"محمد الدرّة" هدية من طفولته، و"رايْتشِل كوري" الناشطة الأميركية التي خرّت صريعة تحت جنازير الدبابات الصهيونية؟.. سقطت رايتشل بدورها دفاعاً عن الأرض.

إنها الأرض.. أليس من رحمها انتفض عز الدين القسّام والمفتي الحسيني والبطريرك الصبّاح والمطران كبوجي؟؟؟

 

وتبقى هي هي.. بجرودها وجبالها وربوعها.. بكرمتها وزيتونها وزعترها، بأطفالها ونسائها وشيوخها، رمزاً من رموز العناد الفلسطيني، الذي يُنتِج كل يوم في رفح وجنين والضفة والقطاع ملحمةَ صموده واعتزازه بالانتماء إليها..

في يوم الأرض.. تقف الأرض ومن عليها اعتزازاً، تنفض عنها غبار التواطؤ الدولي الذي يضرب بجذوره إلى قرار التقسيم، وغبار التخاذل العربي العائد إلى ذلك اليوم الذي جفت فيه عروق المروءة وشحّت فيه قيم العز والكرامة.

وهكذا يتحوّل الدم الفلسطيني وحده شاهداً على جرائم الاحتلال.